عبد الكريم الخطيب

413

التفسير القرآنى للقرآن

الإسراء ، ليس من معطيات الآية الكريمة ، من جهة ، ولا تستدعيه غاية الإسراء ، ولا يحتاج إليها الكمال الذي يجب أن يكون عليه - من جهة أخرى . . فالإسراء ، على ما تشهد به الآية - لم يكن - كما أشرنا من قبل - معجزة متحدية ، وإنما هو - كما قلنا - رحلة روحية إلى بيت المقدس ، مجمع الأنبياء ، وأول قبلة للإسلام ! ! دواعي هذه الرحلة : كان الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - قبيل الإسراء ، في وجه خصومة عنيفة ظالمة ، من قومه . . يدعوهم إلى الرشاد والخير ، فيلقونه بالتكذيب والبهت ، ويرمونه بالسّوء والأذى . . وهو رحيم بهم ، حريص على هدايتهم ، تكاد تذهب نفسه حسرة عليهم ، إذ يراهم يتمزقون شعبا ، ويتقطعون أوصالا ، بين يدي دعوته التي يدعوهم إليها . . وليس حال أدعى من هذه الحال ، للخروج من هذا الجوّ الثقيل الخانق ، إلى جوّ آخر ، فيه راحة للصدر واسترواح للنفس ! ولكن : إلى أين المذهب والنبىّ قائم على دعوة السماء ، موجه برسالتها ؟ إنه لا مفرّ للنبىّ - إن أراد أن يظل في سجل الأنبياء - من أن يثبت في موقفه ، لا يزايله ، ولا يتحول عنه أبدا ، وإن هلك ! وقد قالها رسول اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - لعمّه أبى طالب ، حين دعاه عمّه إلى أن يترك ما هو فيه ، ويلقى قومه بالموادعة ، حتى لا تتمزّق وحدة قريش ، ويقتل بعضها بعضا ، فقال قولته الخالدة : « واللّه يا عمّ لو وضعوا الشّمس في يميني ولقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، أو أهلك دونه » !